12 يوليو, 2009

ابتسامة زائفة أخيرة






ذهبت ذكرى لزيارة صديقتها شيخة لتهنئها بقدوم مولودها الجديد، و قبل أن تدق جرس الباب ارتدت ذكرى ابتسامة زائفة، ثم عدلت من هندام ابنتها الصغرى، وذكرت أطفالها بأن عليهم التزام الأدب، سرحت ذكرى بنظرها إلى البيت المجاور أثناء انتظارها أن يفتح الباب ، لقد كان هذا بيتها قبل أن ينتقلوا إلى بيتهم الحالي، إلى أن قاطعها صوت ابنتها وهي تسحب طرف ثوبها قائلة:


"أمي فتحوا، هيا لندخل"


دخلت ذكرى بيت جارتها سابقاً لأول مرة منذ انتقلت، وأول ما أحست به كان عبرة كادت تجعلها تنهار، فأبطأت من خطواتها وشتت أفكارها، ثم ارتدت ابتسامة زائفة أخرى، وأسرعت بالدخول إلى مجلس النساء مسرعة قبل أن تخونها عيناها.


في المجلس استقبلتها شيخة بابتسامة منهكة تدل على أنها مرت بولادة صعبة ومتعبة، هنأتها ذكرى بالمولود الجديد و التفت إلى ابنتها الصغيرة بعد أن شربت العصير وقالت:


"اذهبي والعبي مع الأطفال"


دخل المزيد من الضيوف وذكرى لا زالت تحافظ على ابتسامتها الزائفة، سكتت النساء بينما يرتشفن قهوتهن ويبحثن في رؤوسهن عن مواضيع جديدة للنميمة، هنا شق صوت ذكرى عباب الصمت المفاجئ سائلة شيخة:


"هل سكن بيتنا بعد؟"


فردت شيخة مازحة:

" لم يعد بيتكم بعدما هجرتموه و هجرتمونا، على كل لم يسكنه أحد بعد"، ثم تابعت: "هل تصدقين أن أبوابه مفتوحة، لقد تحول إلى ملعب للصغار"


و فجأة أصبحت الابتسامة الزائفة صعبة للغاية، و أصبحت المشاعر التي تدفعها للخروج من الغرفة تياراً جارفاً، عندها استوعبت أن النسوة ينظرن إليها بشفقة يخالطها فرحة صيد جديد وموضوع جديد للحديث عنه، قالت بصوت مرتبك:


"سأذهب لأتفقد أطفالي"،...


خرجت ذكرى من الغرفة برزانة مصطنعة،لكنها حين نظرت حولها ولم تر أحداً أسرعت إلى حيث تركت نعليها وارتدتهما وهي تهرول إلى بيتها القديم، لكنها عندما وصلت رأت الباب مغلقاً، أحست أن الدنيا كلها أغلقت أبوابها في وجهها، تلمست النقوش التي على الباب بإحباط، تحرك الباب قليلاً و هنا أدركت أنه كان مردوداً لا مغلقاً، أمام الباب الشبه المفتوح ضحكت ذكرى بهستيرية وقالت:


"الباب مفتوح !"


ثم عادت لتتمالك نفسها، أخذت نفساً طويلاً، ورسمت ملامح الجدية وعدم المبالاة على وجهها، لكنها كانت تبالي بقدر ما شدهت عيناها وهما تلتهمان المكان، كانت تبالي بقدر ما شلت قدميها رهبة مواجهة ذلك الوحش الحزين الذي دفنته تحت أطنان الابتسامات الزائفة،...


ما أن خطت ذكرى أولى خطواتها داخل البيت حتى انطلقت راكضة في أرجائه، بدا البيت حزيناً وقديماً وخرباً، لم تصدق أن هذا هو بيت الحلم الذي ذاقت المر مع زوجها وهما يحلمان باقتنائه، هذا البيت كان بمثابة العوض لها عن ماضي ممل ومؤلم ومتعب، هنا على هذه العتبة كاد قلبها أن يتوقف من شدة الفرحة عندما وقفت عليها لأول مرة، وهنا أيضاً ينفطر قلبها حزناً وخيبة، تذكرت زوجها وهو يهديها ضرة بعمر بناته بعد سكناهم هذا البيت بسنة كمكافأة لها على تعب وانتظار السنين، ليتحمل إثر هذه الزيجة ديوناً كلفته المنزل، وكلفتها حلم العمر،...


لم تعد تدري مالذي يحزنها الآن أجحود زوجها وانشغاله بزوجته الجديدة؟ أم خسارتها البيت الحلم وسكنها مع أولادها العشرة وزوجها وزوجته الأخرى في بيت ضيق تحتل زوجته نصفه؟ اختلطت عليها مشاعرها و أربكتها حيرتها، هي تعلم فقط أنها حزينة جداً، لذا عادت لتتمالك نفسها وتشتت أفكارها، قالت لنفسها:


"لن أسمح لنفسي بالبكاء على شئ مضى"


وسرعان ما استرعت انتباهها ماسورة مكسورة، فشهقت بغضب:


"من الذي كسر ماسورتنا"


كررتها فوق العشر مرات وكل مرة يقل صوتها حدة ويغلب عليه البكاء، حتى وجدت نفسها تنتحب فوق الماسورة المكسورة، وعندما رفعت بصرها رأت ابنتها تراقبها بصمت،


"أمي هيا أبي ينتظر بالسيارة"


مسحت ذكرى دموعها بطرف بخمارها، و أغمضت عينيها، ثم سحبت ابنتها من يدها مسرعة للخارج، محاولة تجاهل المكان حولها، و قبل أن تصل للسيارة وقفت قليلاً وعدلت من هندامها، ثم نفضت بقايا غبار من على عباءتها السوداء ،ومسحت بقايا دمعة تعلقت بخدها وبقايا خيبة نشرت سوادها على صفحة وجهها، وكعادتها ارتدت ابتسامة زائفة أخرى وركبت السيارة، حين رأى زوجها وجهها سألها على غير عادته:


"هل أنت على ما يرام؟ "


قالت وعلى وجهها ابتسامة عريضة:


"نعم، لكن الماسورة مكسورة"


فتجاهلها كما يفعل دائما وقاد المركبة، أما هي فأغمضت عينيها وعلى وجهها ابتسامة زائفة أخيرة ما زال يذكرها بها أبناؤها حتى الآن، ولا يزال زوجها يتساءل عن الماسورة المكسورة، لكنه في قرارة نفسه كان يعلم أنه هو من كسرها.

9 التعليقات:

إيمان 12 يوليو, 2009 04:07 ص  

جميله القصة ومؤثره جداا

أسلوبك مميز رحيل فين كنتى مخبيه

الجمال هذا تسلم ايدك

Hajar Jackoub 14 يوليو, 2009 02:47 ص  

تدوينتين في يوم واحد .. كتير علينا أوي هانطير من الفرحة ^^
لكن عن جد أسلوبك مرة خطير ،، ما شاء الله
حلوة القصة و مؤلمة في ذات الوقت، و بانتظار المزيد ,, أصلك في إجازة بقى
سلاااام ^^

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل 19 يوليو, 2009 07:39 م  

هلا ‘يمان الله يسلمج

اعذريني والله أنا مقصر وما ارد بسرعة، لكن والله دايم استانس على تعليقاتج و اقرا تدويناتج الحلوة.

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل 19 يوليو, 2009 07:45 م  

أهلين يا هاجر ازييييك عاملة ايييه =)

يلا شدي الهمة واعملي مدونة عايزين نقرالك ...

Hajar Jackoub 29 يوليو, 2009 02:48 ص  

أنا عملت مدونة صار لي أسبوعين تقريبا :D
شوفي بقى شديت حيلي أهوه
أدخلي على اللينك ده و شوفيها
www.kalematy.jackoub.com
اسمها "كلماتي ركاز على الحق"
وحشاااااني يا رحيل ^^

روان 02 أغسطس, 2009 11:02 م  

قلب النساء دائما هو المكسور ...=)

قصة جميلة وواقعية
شكرا لك =)

تامر علي 15 أغسطس, 2009 09:52 م  

قصة جميلة تحمل عمق الحزن وعبق الذكريات رغم التحامل (المبرر) على الآخر :))

لكن القصة رائعة

تحياتي وباقة زهور :)

ٌرحيـــــــــــــــــــــــل 17 أغسطس, 2009 02:43 ص  

تامر في هذه القصة أنا لم أتحامل على الإطلاق، فالآخر هذا كان جارنا =(